القرطبي

6

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار . حكاه الماوردي . وقد مضى في سورة " الرحمن " ( 1 ) عند قوله تعالى : " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان " [ الرحمن : 56 ] بيان أنهم يدخلونها . الخامسة - قال البيهقي في روايته : وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة فقال : [ لكم كل عظم ] دليل على أنهم يأكلون ويطعمون . وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن ، وقالوا : إنهم بسائط ، ولا يصح طعامهم ، اجتراء على الله وافتراء ، والقرآن والسنة ترد عليهم ، وليس في المخلوقات بسيط مركب مزدوج ، إنما الواحد الواحد ( 2 ) سبحانه ، وغيره مركب وليس بواحد كيفما تصرف حاله . وليس يمتنع أن يراهم النبي صلى الله عليه وسلم في صورهم كما يرى الملائكة . وأكثر ما يتصورون لنا في صور الحيات ، ففي الموطأ : أن رجلا حديث عهد بعرس استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار أن يرجع إلى أهله . . . الحديث ، وفيه : فإذا حية عظيمة منطوية على الفراش ، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها . وذكر الحديث . وفي الصحيح أنه عليه السلام قال : " إن لهذه البيوت عوامر ، فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا ، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر " . وقال : " اذهبوا فادفنوا صاحبكم " ( 3 ) وقد مضى هذا المعنى في سورة " البقرة " ( 4 ) وبيان التحريج عليهن . وقد ذهب قوم إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة ، لقوله في الصحيح : " إن بالمدينة جنا قد أسلموا " . وهذا لفظ مختص بها فيختص بحكمها . قلنا : هذا يدل على أن غيرها من البيوت مثلها ، لأنه ( 5 ) لم يعلل بحرمة المدينة ، فيكون ذلك الحكم مخصوصا بها ، وإنما علل بالاسلام ، وذلك عام في غيرها ، ألا ترى قوله في الحديث مخبرا عن الجن الذي لقي : [ وكانوا من جن الجزيرة ] ، وهذا بين يعضده قوله : [ ونهى عن عوامر البيوت ] وهذا عام . وقد مضى في سورة ( البقرة ) القول في هذا فلا معنى للإعادة .

--> ( 1 ) راجع ج 17 ص 181 . ( 2 ) الواحد الواحد : كذا في بعض الأصول وفي بعضها بلا تكرار . وفي الشوكاني : - إنما الواحد الله سبحانه ) . ( 3 ) هذا ينبغي أن يكون قبل الحديث السابق له كما في ابن العربي . ( 4 ) راجع ج 1 ص 315 ( 5 ) في هامش ح : ( لا لأنه ) .